ابن قيم الجوزية

71

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

أصلها فانظر إلى قوله : ( في نفس المؤمن مائة من الإبل ) وقوله : ( دخلت امرأة النار في هرة ) كيف تجد فيه معنى زائداً على السببية وليست ( في ) للوعاء في جميع معانيها فقولك : ( فعلت هذا في مرضاتك ) فبه معنى زيد على ذلك : ( فعلته لمرضاتك ) وأنت إذا قلت : ( أوذيت في الله ) لا يقوم مقام هذا اللفظ كقولك : ( أوذيت لله ) ولا ( بسبب الله ) وإذا فهم المعنى طوى حكم العبارة والمقصود أن الصبر في الله أن أريد به هذا المعنى فهو حق وإن أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره وعن نواهيه وله وبه لم يحصل فالصابر في الله كالمجاهد في الله والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله والله الموفق . أما قول بعضهم : ( الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء والصبر في الله بلاء والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء ) فكلام لا يجب التسليم لقائله لأنه ذكر ما سنح له وتصوره وإنما يجب التسليم للنقل المصدق عن القائل المعصوم ونحن نشرح هذه الكلمات . أما قوله : ( الصبر لله غناء ) فإن الصبر لله بترك حظوظ النفس ومرادها لمراد الله وهذا أشق شيء على النفس وأصعبه فإن قطع المفازة التي بين النفس وبين الله بحيث يسير منها إلى الله شديد جداً على النفس بخلاف السفر إلى الآخرة فإنه سهل كما قال الجنيد : ( السير من الدنيا إلى الآخرة سهل ) - يعني : على المؤمن - وهجران الخلق في جنب الحق شديد والسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشد . وأما قوله : ( والصبر بالله بقاء ) فلان العبد إذا كان بالله هان عليه كل شيء ويتحمل الأثقال ولم يجد لها ثقلاً فإنه إذا كان بالله لا بالخلق ولا بنفسه كان لقلبه وروحه وجود آخر وشأن آخر غير شأنه إذا كان بنفسه وبالخلق وبهذا